أحمد بن علي القلقشندي

325

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

كان للَّه طائعا ومن اللَّه خائفا وإلى اللَّه راغبا ، وذي النّورين المعوّل عليه من بين سائر أصحاب الشّورى تنويها بقدره ، والمخصوص بالاختيار تفخيما لأمره ، من حصر في بيته فلم يمنعه ذلك عن تلاوة كتاب اللَّه وذكره ، وشاهد سيوف قاتليه عيانا فقابل فتكاتها بجميل صبره ، وأبي الحسن الذي أعرض عن الخلافة حين سئلها ، واستعفى منها بعد ما اضطَّرّ إليها وقبلها ، وكشف له عن حقيقة الدنيا فما أمّ قبلتها بقلبه ولا ولَّى وجهه قبلها ، وصرّح بمقاطعتها بقوله : « يا صفراء غرّي غيري ، يا بيضاء غرّي غيري » لمّا وصلها من وصلها ، وسائر الخلفاء الراشدين بعدهم ، الناهجين نهجهم والواردين وردهم . أما بعد ، فإنّ للإمامة شروطا يجب اعتبارها في الإمام ، ولوازم لا يغتفر فواتها في الابتداء ولا في الدّوام ، وأوصافا يتعيّن إعمالها ، وآدابا لا يسع إهمالها ، من أهمّها العدالة الَّتي ملاكها التّقوى ، وأساسها مراقبة اللَّه تعالى في السّرّ والنّجوى ، وبها تقع الهيبة لصاحبها فيجلّ ، وتميل النّفوس إليها فلا تمل ، فهي الملكة الداعية إلى ترك الكبائر واجتنابها ، والزاجرة عن الإصرار على الصّغائر وارتكابها ، والباعثة على مخالفة النفس ونهيها عن الشّهوات ، والصارفة عن انتهاك حرمات اللَّه الَّتي هي أعظم الحرمات ، والموجبة للتعفّف عن المحارم ، والحاملة على تجنّب الظَّلامات وردّ المظالم ، والشّجاعة الَّتي بها حماية البيضة والذّب عنها ، والاستظهار بالغزو على نكاية الطائفة الكافرة والغضّ منها ، والقوّة بالشوكة على تنفيذ الأوامر وإمضائها ، وإقامة الحدود واستيفائها ، ونشر كلمة الحق وإعلائها ، ودحض كلمة الباطل وإخفائها ، وقطع مادّة الفساد وحسم أدوائها ، والرأي المؤدّي إلى السياسة وحسن التدبير ، والمغني في كثير من الأماكن عن مزيد الجدّ والتشمير ، والمعين في خدّع الحرب ومكايده ، والمسعف في مصادر كلّ أمر وموارده . هذا وقد جعلنا اللَّه أمّة وسطا ، ووعظنا بمن سلف من الأمم ممن تمرّد وعتا أو تجبّر وسطا ، وعصم أمّتنا أن تجتمع على الضّلال ، وصان جمعنا عن الخطل في الفعال والمقال ، وندبنا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسوّغ